عمر السهروردي
368
عوارف المعارف
حكى عن رويم قال : اجتزت في المهاجرة ببعض سكك بغداد ، فعطشت ، فتقدمت إلى باب دار فاستسقيت فإذا جارية قد خرجت ومعها كوز جديد ملآن من الماء المبرد ، فلما أردت أن أتناوله من يدها قالت : صوفي ويشرب بالنهار ؟ وضربت بالكوز على الأرض وانصرفت . قال رويم : فاستحيت من ذلك ونذرت ألا أفطر أبدا . والجماعة الذين كرهوا دوام الصوم كرهوه لمكان أن النفس إذا ألقت الصوم وتعودته اشتد عليها الإفطار ، وهكذا بتعودها الإفطار تكره الصوم ، فيرون الفضل في ألا تركن النفس إلى عادة ، ورأوا أن إفطار يوم وصوم يوم أشد على النفس . ومن أدب الفقراء أن الواحد إذا كان بين جمع وفي صحبة جماعة لا يصوم إلا بإذنهم ، وإنما كان ذلك لأن قلوب الجمع متعلقة بفطوره وهم على غير معلوم . فإن صام بإذن الجمع وفتح عليهم بشيء لا يلزمهم ادخاره للصائم ، مع العلم بأن الجمع المفطرين يحتاجون إلى ذلك ، فإن اللّه تعالى يأتي للصائم برزقه ، إلا أن يكون الصائم يحتاج إلى الرفق لضعف حاله أو ضعف بنيته لشيخوخة أو غير ذلك . وهكذا الصائم لا يليق أن يأخذ نصيبه فيدخره ، لأن ذلك من ضعف الحال ، فإن كان ضعيفا يعترف بحاله وضعفه فيدخره . والذي ذكرناه لأقوام هم على غير معلوم ، فأما الصوفية المقيمون في رباط على معلوم فالأليق بحالهم الصيام ، ولا يلزمهم موافقة الجمع مع الإفطار ، وهذا يظهر في جمع منهم لهم معلوم يقدم لهم بالنهار . فأما إذا كانوا على غير معلوم فقد قيل : مساعدة الصوام للمفطرين أحسن من استدعاء الموافقة من المفطرين للصوام .